د. عبير علي ناعسه

ثمة عطاء لا يُقاس، لا يُشترى، ولا يُقايض، لا لأنها بلا ثمن، بل لأن قيمتها تتجاوز السوق.

في زوايا الروح، حيث تتجاور المعرفة مع الكرامة، يولد سؤال خافت:

هل كل ما يُمنح مجاناً يُقدَّر؟ وهل العطاء المفتوح دائماً هو ذروة الكرم، أم أنه أحياناً قناعٌ لغياب التقدير؟

المجانية ليست مجرد غياب للسعر، بل هي حالة رمزية معقّدة، تتأرجح بين النُبل والابتذال، بين الانفتاح والتسييل.

هي مرآة تعكس علاقتنا بالمعرفة، وبالآخر، وبأنفسنا. وفي زمنٍ تتكاثر فيه المنصات وتفيض المحتويات، يصبح من الضروري أن نتأمل: متى تكون المجانية فعلاً تحررياً؟ ومتى تتحوّل إلى نفيٍ ضمني للقيمة؟

المجانية في الثقافة: بين الأثر والابتذال

في زمنٍ تتكاثر فيه المنصات وتفيض المحتويات، يصبح من الضروري أن نعيد التفكير في معنى المجانية:

هل هي تحرير للمعرفة، أم تسطيح لها؟ هل هي مقاومة للسوق، أم انخراط خفي فيه؟

المجانية كأثر لا يُشترى:

تتجلى في بعض التجارب الثقافية، المجانية كأثر لا يُشترى، بل يُلمَس.هي ليست غياباً للسعر، بل حضوراً للنية، واحتفاءً بالمعنى.

تبرز في هذا السياق، مبادرات فتحت أبوابها بلا مقابل، لكنها لم تُفرّط في القيمة.

منصة جدل، التي أسسها الكاتب والناقد رواد العوام في دبي، تمثل نموذجاً نادراً لهذا النوع من المجانية الواعية.

فهي لا تكتفي بإتاحة المحتوى الثقافي مجاناً، بل تصرّ على تقديمه بجودة عالية، عبر تحرير دقيق، وترجمة احترافية، وتدقيق لغوي صارم.

جدل ليست مجرد منصة، بل رؤية ثقافية تُعيد الاعتبار للغة العربية، وتمنح السوريين والعرب مساحة للعمل والتعبير، دون أن تُسقط المعايير أو تساوم على العمق.

كذلك، نجد مبادرات لمؤسسات اخرى، أتاحت مئات الكتب المترجمة مجاناً، وفتحت خزائن الأدب الكلاسيكي للبشرية جمعاء.

وتبرز في الخليج، مكتبة الشارقة الرقمية كمثال على إتاحة المعرفة بوصفها حقاً لا امتيازاً.

المجانية في هذه النماذج، ليست تفريطاً، بل مقاومة. مقاومة لاحتكار المعرفة، ولتحويل الثقافة إلى سلعة، ولحصر الجمال فيمن يملكون ثمنه، عندما تفقد المجانية روحها.

قد تفقد روحها المجانية، حين تُمنح بلا وعي، حين تُقدَّم بلا سياق، أو تُستهلك بلا مساءلة، تتحوّل إلى فائضٍ رقمي، إلى ضجيجٍ لا يُصغي إليه أحد.

كم من دورة مجانية تُنشر كل يوم، ولا يُكملها أحد؟

وكم من كتاب إلكتروني يُحمَّل، ولا يُقرأ؟

حين يغيب الشعور بالاستثمار، يغيب معه التقدير.

وحين تُمنح الثقافة كما تُوزَّع المنشورات الإعلانية، تُختزل في كونها متاحة، لا في كونها ثمينة.

تتحوّل الفعالية في بعض المهرجانات المفتوحة بلا تنظيم، إلى استهلاك سطحي، تُلتقط فيها الصور أكثر مما تُلتقط فيها الأفكار. وهكذا، تصبح المجانية أداةً للتسطيح، لا للتمكين.

بين الكرم والانكشاف

لا تحتاج الثقافة إلى انكشاف دائم، بل إلى كرمٍ واعٍ. إلى أن تُمنح، نعم، لكن ضمن سياقٍ يحفظ قدسيتها، ويُذكّر المتلقّي بأن ما يُمنح مجاناً ليس بلا ثمن، بل هو ثمرة تعب وتجربة وتراكم.

حين تُصاغ المجانية، بإدراك، تُعيد تشكيل العلاقة بين المُبدع والجمهور، بين القيمة والوفرة، بين العطاء والحدود.

هي ليست نقيضاً للندرة، بل وجهها الآخر: الندرة التي تُختار، لا التي تُفرض.

إذاً:

ليست المجانية نفياً للقيمة، لكنها قد تتحوّل إلى ذلك إن لم تُصغ بحسٍّ نقدي. وبين الكرم الرمزي والابتذال، خيطٌ رفيع لا يُرى إلا بعينٍ تأمّلية، تعرف أن ما يُمنح بلا مقابل، قد يكون أغلى مما يُشترى، إن أُدركت روحه.

عن الناشر

د. عبير ناعسة
د. عبير ناعسة

استاذة جامعية_ دكتوراه في الاقتصاد البيئي

Darsiyaqمؤلف

كن دائماً داخل السياق الممتد من البداية إلى اللانهاية.. نحن دار نشر سعودية مهتمة أن تكون أنت الجزء الأساسي من سياق الثقافة.. دار السياق ..دار نشر ترى مهنة النشر من منظور جديد.. وزاوية جديدة..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *